فخر الدين الرازي
283
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الصلاة والسلام لما لم يتعلم علما ، ولم يطالع كتابا ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت ، ومن غير زيادة ومن غير نقصان ، دل ذلك على أنه صلى اللَّه عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل . واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة . فالقصة الأولى : قصة نوح عليه السلام ، وهي المذكورة في هذه الآية ، وفيها وجهان من الفائدة : الأول : أن قوم نوح عليه السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل اللَّه هلاكهم بالغرق فذكر اللَّه تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار ، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة . والثاني : أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه / السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت ، فإنه ما جاءنا هذا العذاب ، فاللَّه تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا العذاب وكانوا يكذبونه فيه ، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا هاهنا . المسألة الثانية : أن نوحا عليه السلام قال لقومه : إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ وهذا جملة من الشرط والجزاء ، أما الشرط فهو مركب من قيدين : القيد الأول : قوله : إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي قال الواحدي في « البسيط » : يقال كبر يكبر كبرا في السن ، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر كبرا وكبارة . قال ابن عباس : ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالإقامة . يقال : أقام بين أظهرهم مقاما وإقامة ، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه ، وأراد بالمقام هاهنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله : كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي جار مجرى قولهم : فلان ثقيل الظل . واعلم أن سبب هذا الثقل أمران : أحدهما : أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما . والثاني : أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة والغالب أن من ألف طريقة في الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها ، ويذكر له ركاكتها ، فإن اقترن بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية ، فإن اقترن به إيراد الدلائل القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل . والقيد الثاني : هو قوله : وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ . واعلم أن الطباع المشغولة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات العاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات ، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله : إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهرا وكلامهم مسموعا ، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائما وهم قعود . واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية ، أما الجزاء ففيه قولان : القول الأول : أن الجزاء هو قوله : فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام